عبد الله بن سعيد الخفاجي الحنفي

18

سر الفصاحة

متفقة في أنها لا توجب حالا لمحل ولا جملة . وقد ذهب أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبّائي « 1 » إلى أن جنس الصوت يحتاج مع المحل إلى هيئة وحركة ، وقال أبو هاشم أخيرا : إنه لا يحتاج إلى المحل ، وعلى هذا القول أكثر أصحابه ، وله نصر الشريف المرتضى رضي اللّه عنه ، واستدلوا على نفي حاجته إلى غير المحل بأنه مما لا يوجب حالا لغيره ، فجرى مجرى اللون في أنه لا يحتاج إلى سوى محله - وقالوا : إن الصوت من فعلنا إنما احتاج إلى الحركة لأنها كالسبب فيه ، من حيث كنا لا نفعله إلا متولدا عن الاعتماد على وجه المصاكّة ، والاعتماد يولد الحركة ، فلهذا جرى مجرى السبب ، فليس يمتنع أن يفعل اللّه تعالى الصوت مبتدأ من غير حركة ، كما يفعله غير متولد عن الاعتماد ، وكما يفعل ما وقع منا بآلة من غير آلة ، وجعلوا هذا هو العلة في انقطاع طنين الطست بتسكينه ، وأجازوا وجود القليل من الصوت مع السكون عند تناهيه وانقطاعه ، ومنعوا من وجوده من فعلنا مع السكون من فعلنا حالا بعد حال لما ذكرناه . والأصوات تدرك بحاسة السمع في محالّها ، ولا تحتاج إلى انتقال محالها وانتقالها ، وكونها أعراضا منع من انتقالها ، وقد استدل على ذلك بأنها لو انتقلت لجاز أن تنتقل إلى بعض الحاضرين دون بعض ، حتى يكون مع التساوي في القرب والسلامة يسمع الصوت بعضهم دون بعض ، وأن يجوز اختلاف انتقال الحروف حتى يدرك الكلام مختلفا ، واستدل على ذلك أيضا بأنه لو احتيج في إدراك الأصوات إلى انتقال المحالّ لما وقع الفرق مع السلامة بين جهة الصوت والكلام مكانهما ، وكما أنه لا يعرف في أي جهة انتقل إلى محل ما يلاقيها من الأجسام التي يدرك منها الحرارة والبرودة ، وقد سئل على

--> ( 1 ) هو محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي - أبو علي - ولد عام 235 هجرية ، وهو من أئمة المعتزلة ورئيس علماء الكلام في عصره . وإليه نسبت الطائفة « الجبائية » ، له مقالات وآراء انفرد بها في المذهب . له « تفسير » حافل مطول ، رد عليه الأشعري . توفي عام 303 هجرية .